تقدّم الشابّ إلى أهل الفتاة، ورآها الرؤية الشرعيّة، وجاءه الجواب: وافقنا.
وانتشر الخبر في الأهل والصحبة، وصار يقال: فلانةُ مخطوبةٌ لفلان.
ومن تلك الليلة بدأ كلّ شيءٍ يتغيّر: الاتصال، والرسائل، والغيرة، والأوامر، والخطط المشتركة…
كأنّ كلمة «وافقنا» عقدٌ.
وهي ليست عقداً.
الخِطبة عند الفقهاء: طلبُ الزواج والوعدُ به. وعدٌ فقط… لا يُنشئ حكماً، ولا يُحلّ شيئاً.
قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ (البقرة: 235).
فسمّاها الله خِطبة، وجعل العقد شيئاً آخر بعدها.
وحول هذه العتبة نشأت عندنا مقولاتٌ تتوارثها الأجيال، تستحقّ أن نقف عندها واحدةً واحدة.
«ما داما مخطوبَين… فعادي»
بهذه الكلمة تُبرَّر الخلوة، والمصافحة، والخروج معاً، والكلام في الليل.
وهي تقوم على وهمٍ واحد: أنّ الموافقة غيّرت شيئاً.
ولم تغيّر شيئاً.
الموافقة كلمة، والإعلان خبر، وليس في شيءٍ منهما إيجابٌ ولا قبولٌ ولا وليٌّ ولا شاهدان؛ فالمرأة بعد الموافقة أجنبيّةٌ عن الرجل كما كانت قبلها بيوم.
والنبيّ ﷺ يقول: «لا يخلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلّا مع ذي محرم». متفق عليه.
والعجيب أنّنا نشدّد على الخلوة مع الغريب، ونتساهل مع الخاطب… مع أنّ الخطر مع الثاني أقرب، لأنّ القلب معه أرخى.
وإن ألحّ أحد الطرفين، فإلحاحه لا يُسقط الإثم عن الآخر.
«الشوفة… بعد الملكة»
بعض الأسر تمنع الخاطب من رؤية الفتاة حتى يُعقد له عليها، حفظاً لكرامتها.
فأدخلوها العقد عمياء، وأدخلوه مثلها.
والشرع الذي أغلق باب الخلوة، فتح باب النظر على مصراعيه:
قال ﷺ: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل». رواه أبو داود وحسّنه الألباني.
وقال للمغيرة حين خطب امرأة: «انظر إليها، فإنّه أحرى أن يُؤدَم بينكما». رواه الترمذي وصحّحه الألباني.
بل يقول جابرٌ رضي الله عنه في تمام الحديث الأوّل نفسه، عن فتاةٍ خطبها: «فكنتُ أتخبّأ لها حتى رأيتُ منها ما دعاني إلى نكاحها».
فالنظر مشروعٌ قبل التقدّم، ولو لم تعلم هي، ولا يلزمها أن تكشف أكثر من الوجه والكفّين.
وللفتاة الحقّ نفسه: أن تراه، وأن تطلب رؤيته إن لم يطلب.
الكرامة ليست في أن تُعقد الفتاة على مجهول… الكرامة في أن تختار وهي تُبصر.
«لا بدّ أن نتكلّم حتى نتعارف»
كلمةٌ صحيحة، يُراد بها باطل.
التعارف حاجةٌ يعتبرها الشرع: الطباع، والتوقّعات، والاتفاقات، وما يُبنى عليه القرار.
لكن هل هذا ما يجري باسمه؟
مكالمةٌ تبدأ بعد منتصف الليل، ورسائل لا تنقطع، وصورٌ ذاهبةٌ عائدة… هذا ليس تعارفاً؛ إنّه تعلّقٌ قبل أوانه.
فإن تمّ الزواج فقد استهلكا دهشته قبل ليلته، وإن لم يتمّ فقد ترك كلٌّ منهما في قلب الآخر جرحاً يطول برؤه.
التعارف المشروع: بقدر الحاجة، بلا خضوعٍ في القول، وبلا خلوة، وبحضور الأهل أولى.
الكلام على العتبة يكون واقفاً… لا جالساً.
«تقدّم لها أحد… إذن انتهى الأمر»
يظنّ الشابّ أنّ الفتاة صارت ممنوعةً عليه لمجرّد أنّ أحداً سبقه بالسؤال عنها، وتُغلق الأسر الباب بكلمة: «مخطوبة».
والنبيّ ﷺ قال: «ولا يخطب الرجل على خِطبة أخيه، حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب». رواه البخاري.
لكنّ التحريم أضيق ممّا يظنّه المتشدّدون، وأوسع ممّا يظنّه المتساهلون:
لا تحرم الخِطبة على الخِطبة إلّا بعد أن تجيب الفتاة أو وليّها بالموافقة الصريحة، ويركنوا إلى الأوّل.
أمّا من عُرض عليها ولم تُجب بعد، أو رُدَّ خاطبها، أو تأخّر جوابها… فالباب مفتوحٌ لغيره، ولها أن تقبل الثاني ما لم تكن ركنت إلى الأوّل.
وقد خطب فاطمةَ بنت قيس معاويةُ وأبو جهم في وقتٍ واحد، فلم يُنكر النبيّ ﷺ ذلك، بل أشار عليها بثالث. رواه مسلم.
طرقُ الباب ليس مِلكاً لأحد؛ الموافقة وحدها هي التي تُغلقه.
«من حقّي أن أعرف كلّ شيء»
هنا مفارقةٌ غريبة: نُخفي ما يجب كشفه، ونكشف ما يجب ستره.
يُخفى المرض المُعدي، والعلّة المزمنة، والعقم، وما يؤثّر في مقصود الزواج… وهذا غشٌّ لا يحلّ.
ثمّ يُنقَّب في الماضي: مع من تكلّم؟ وماذا فعلت؟ ومن خطبها قبلي؟
والنبيّ ﷺ يقول: «كلّ أمّتي معافًى إلّا المجاهرين». متفق عليه.
فالذنب الذي تاب منه الإنسان وستره الله عليه لا يجب عليه أن يفضحه، ولا يحلّ للآخر أن ينبشه، وحتى الخِطبة السابقة التي فُسخت لا يلزم ذكرها.
القاعدة: صارِح بما يؤثّر في زواجك، واستر ما مضى من عمرك.
والذي يطلب من خطيبته اعترافاً كاملاً بماضيها، هل يقبل أن يُسأل السؤال نفسه؟
«أنا خطيبها… ومن حقّي أن آمرها»
يبدأ الخاطب يأمر وينهى: اتركي العمل، اقطعي صحبة فلانة، أغلقي حسابك، لا تخرجي إلّا بإذني.
ولسنا هنا في مضمون الطلبات، بل في السؤال الأسبق: بأيّ حقٍّ يأمر؟
الخاطب قبل العقد ليس زوجاً ولا وليّاً؛ لا يملك أمراً ولا نهياً، والفتاة في ولاية أبيها لا في ولايته.
فإن كان يريد أمراً لا يتزوّج بدونه، فمكانه العقد، لا العتبة.
يُتّفق عليه مع وليّها، ويُكتب شرطاً في العقد، فيصير حينها ملزماً؛ قال ﷺ: «إنّ أحقّ الشروط أن تُوفوا به ما استحللتم به الفروج». متفق عليه.
الشرط في العقد حقّ… والأمر على العتبة تسلّط، ولو كان مضمونه حقّاً.
فالطاعة تكون بعد العقد لمن ملك حقّها… لا قبله لمن يطمع فيها.
«استخرتُ… وما رأيتُ شيئاً»
تصلّي الفتاة الاستخارة، ثمّ تنتظر رؤيا في المنام، أو انشراحاً يغمر الصدر، فإن لم يحدث قالت: إذن ليس نصيبي.
ولم يقل النبيّ ﷺ شيئاً من هذا.
علّمنا أن نقول: «فاقدُرْه لي ويسِّرْه لي ثمّ بارك لي فيه… فاصرفه عنّي واصرفني عنه». رواه البخاري.
فعلامة الخير أن ييسّر الله الأمر، وعلامة الشرّ أن يصرفه؛ لا حلمٌ ولا خفقة.
والخطأ الثاني أنّنا نجعلها أوّل الخطوات، وهي آخرها: تتحرّى، وتستشير، ثمّ تستخير.
ومن سُئل عن خاطبٍ فمدحه مجاملةً، أو سكت عن عيبه خوفاً من الغيبة، فقد خان؛ فقد قال النبيّ ﷺ لفاطمة بنت قيس عن خاطبيها: «أمّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأمّا معاوية فصعلوكٌ لا مال له». رواه مسلم.
صريحٌ إلى حدّ الإيلام… لأنّ الصدق هنا رحمة.
«فسخ الخِطبة فضيحة»
بهذه الكلمة تُدفع فتياتٌ إلى زيجاتٍ اكتشفن خطأها قبل العقد، خوفاً من أن يقال: فُسخت خطبتها.
والشرع يقول غير ذلك: فسخ الخِطبة حقٌّ لكلّ طرف، لا إثم فيه، وإنّما يُكره بلا سبب؛ لأنّه وعدٌ لا عقد.
الفضيحة ليست في الفسخ… الفضيحة في طريقته:
أن يُذكر عيب، أو يُفشى سرّ، أو تُحبس الشبكة والهدايا.
من رجع فليرجع ساتراً حافظاً لسانه، ويُردّ المهر والشبكة لصاحبهما على كلّ حال؛ وكذلك الهدايا؛ قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: «كلّ من أُهدي أو وُهب له شيءٌ بسببٍ، يثبت بثبوته ويزول بزواله… ولو كانت الهدية قبل العقد، وقد وعدوه بالنكاح، فزوّجوا غيره: رجع بها»1.
وربّ خِطبةٍ فُسخت كانت صرفاً من الله عن شرٍّ لا تعلمه.
ختاماً
مشكلتنا ليست في الخِطبة، بل في تصوّرنا لها:
نمنحها من الحقوق ما لا تستحقّ، ونحرمها من الضوابط ما تستحقّ.
نعاملها كزواجٍ في الخلوة والكلام والأوامر… ونعاملها كلا شيءٍ في الصراحة والنظر والحقّ في الرجوع.
والخِطبة عتبة… والعتبة لا يُسكن عليها.
يُنظر منها إلى البيت، ويُتكلّم عندها مع أهله، ويُرجع عنها إن لم يصلح، ولا يُدخل البيت إلّا بمفتاحه: عقدٌ بوليٍّ وشاهدين.
وقد قال الله عن الزواج: ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (الروم: 21)… والسكن لا يكون على العتبات.
فاسأل نفسك، أيّها الواقف: أيُّ هذه المقولات صدّقتَها يوماً… وبنيتَ عليها؟
Footnotes
-
ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، ط. دار الكتب العلمية – بيروت، 5/472؛ وانظر: الاختيارات الفقهية، ص334. ↩