الأسرة الحديثة
بين العجز عن التزويج والانقراض الصامت
في مجتمعاتنا المعاصرة، بات من المألوف أن يبلغ الشاب الثلاثين من عمره دون أن يتزوج، وإن خطب تأخر، وإن عقد تأخر أكثر، وكأن الزواج أصبح مشروعًا مؤجلًا باستمرار، لا تتوفر شروطه إلا عند اكتمال سلسلة من الأحلام المادية والوظيفية والتعليمية التي لا سقف لها.
لدينا نموذج صارخ لذلك: شاب من معارفنا خطب وهو في الثلاثين من عمره، واستمرت خطبته عشر سنوات كاملة دون زواج، لماذا؟ لأن المنظومة الثقافية حول الزواج قد تغيرت، والهدف الأساسي من الزواج – وهو الإعفاف – قد تم تفريغه من مضمونه واستبدل بحزمة من التعقيدات المادية والاجتماعية.
من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية… ثم المفككة****
بدأت الأزمة حينما تفككت الأسرة الممتدة، وتحوّل الأبناء إلى جزرٍ منفصلة داخل أسر نووية صغيرة، لا تملك من الموارد ولا من الوعي ما يمكّنها من تزويج أبنائها. لم يعد العم أو الجد أو الخال شريكًا في التزويج، ولا حتى شريكًا في التوجيه. ضعف التواصل، وضعف الشعور بالمسؤولية الجمعية.
وبهذا، ضعفت الأسرة الحديثة، وأصبحت عاجزة عن القيام بأهم وظائفها: تزويج الأبناء وتكوين أسر جديدة. وهي وظيفة حيوية؛ إذ لا يكفي أن تربي الأسرة أبناءها، بل لا بد أن تتمكّن من مساعدتهم على تأسيس أسر مستقلة، ليُثمر جهدها، وتستمر رسالتها في المجتمع.
أهداف طويلة الأجل… وعمرٌ يتبدد****
أضف إلى ذلك، أننا علقنا الأبناء بأهداف طويلة الأجل، كامتلاك منزل، أو نيل درجة علمية متقدمة، أو الوصول إلى وظيفة مرموقة، وكأن الزواج لا يصح إلا إذا اكتملت كل هذه المعايير المثالية. لكن الواقع يقول: ما من شيء مضمون، وقد لا تتحقق تلك الأهداف أبدًا، بينما المؤكد الوحيد في هذه المعادلة هو ضياع العمر.
ومع مرور السنوات، يتحول الشباب إلى مشروع مؤجل إلى الأبد، وتخسر الأسر فرصتها في تحقيق امتدادها واستمراريتها، ليس بسبب الضعف التربوي فقط، بل بسبب اختلال أولويات المجتمع.
تكوين الأسرة.. مهمة عظيمة
تكوين أسرة جديدة ليس أمرًا يسيرًا، بل هو مهمة تتطلب مجهودًا كبيرًا في التأسيس، ومجهودًا أعظم في المحافظة عليها. فإذا عجزت الأسرة عن مساعدة أبنائها على تكوين أسر جديدة، فهذا لا يعني فقط فشلًا اقتصاديًا، بل فشلًا تربويًّا وأخلاقيًّا ورساليًّا.
بل حتى لو حصل الأبناء على أعلى الشهادات وأرقى الوظائف، لكنهم لم يتمكنوا من تأسيس أسر، فإن الأسرة الأم قد فشلت في أداء أهم وظائفها، وحكمت على نفسها بالانقراض.
خاتمة: الانقراض الصامت
لا تُقاس قيمة الأسرة بعدد الأبناء فقط، بل بقدرتها على إنتاج أسر جديدة صالحة. فإن نحن قصرنا في هذا الجانب، فلن نكون قد أنشأنا جيلًا ناجحًا، بل فقط أخرنا موعد نهايتنا كمجتمع.
المسألة لا تتطلب معجزات، بل تتطلب وعيًا جديدًا، وأولويات واضحة، وتحركًا جادًا في الوقت المناسب.
الأسرة الناجحة لا تُقاس بما تملك، بل بما تنشئ.