هل جرّبتَ أن تشعر بثقلٍ لا تعرف مصدره؟
قدماك تثقلان عن الصلاة.
وإن صلّيت، سُرق منك الخشوع. والمصحف مغلقٌ على الرفّ منذ أشهر، تمرّ بجانبه ولا تمدّ إليه يدك.
تظنّها حالةً نفسيّةً عابرة، أو ضغط حياة.

لكنّ لها اسماً عند ابن القيّم في الداء والدواء: الوحشة1.
وهي ليست شعوراً يهبط عليك بلا سبب…

بل عقوبةٌ عاجلة للذنب.

من أين تبدأ الدائرة؟

وقد عدّ ابن القيّم في الكتاب نفسه من عقوبات الذنب: أن يُحرم العبدُ الطاعة2.
فإن كان في خلوتك — حين لا يراك أحد — بابٌ مفتوحٌ للمعصية، فمن هناك تبدأ الدائرة:
هي التي أثقلت قدمك عن الصلاة.
هي التي سرقت خشوعك وأنت واقفٌ بين يديه.
هي التي أغلقت مصحفك أشهراً.
من تلك النقطة التي تعرفها أنت وحدك.
معصيةٌ تُورث وحشة، ووحشةٌ تُبعدك عن الطاعة، وبُعدٌ عن الطاعة يُغريك بمزيد من المعصية… وهكذا تدور بك الرحى.

الخدعة التي تُبقيك أسيراً

وفي داخل الدائرة خدعةٌ ماكرة، هي التي تُبقيك فيها.
تقول لنفسك: سأعود حين يعود القرب. وسأصلّي كما ينبغي حين يرجع الخشوع.
وسأقف بين يديه حين أشعر أنّي أهلٌ للوقوف.

وهذا كلّه مقلوب.

القرب لا يأتي قبل الخطوة، بل بعدها. قال الله في الحديث القدسيّ: «من تقرّب إليّ شبراً تقرّبتُ إليه ذراعاً». رواه البخاري ومسلم.
تحرّك أنت شبراً… يُقبل عليك هو ذراعاً.
والخشوع ليس شرطاً للوقوف، بل ثمرةٌ له. لن يأتيك وأنت جالس، بل يولد وأنت قائم.
فلا تنتظر أن تصلح لتقوم… بل قُم لتصلح.

لستَ منافقاً… فلا تُصدّق

ربّما همستَ لنفسك يوماً: «أنا كالمنافقين، أقوم للصلاة كسلان».
فاسمع هذا الفرق الدقيق:
المنافق يقوم كسلان ولا يتألّم. وأنت تقوم كسلان وتتعذّب، وتبكي من حالك وتشكوه.
قال الحسن البصريّ عن النفاق: «ما خافه إلّا مؤمن، ولا أمِنه إلّا منافق». ذكره البخاري في صحيحه معلّقاً.
فخوفك هذا نفسه دليلُ إيمانك، لا دليل نفاقك.

لكن… احذر

هذا الخوف الذي في قلبك رصيدٌ ثمين.
لكنّه رصيدٌ ينفد.
إن لم تُحوّله إلى سجدة، سيتحوّل مع الأيّام إلى أُنسٍ بالحال… ثمّ إلى أمنٍ من العقوبة.
وتأمّل حديث ثوبان في القوم الذين يأتون يوم القيامة بحسناتٍ كأمثال جبال تهامة، فيجعلها الله هباءً منثوراً؛ قال ﷺ فيهم: «ولكنّهم أقوامٌ إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». رواه ابن ماجه وصحّحه الألباني.
لم يهلكوا بالزلّة وهم منكسرون… بل هلكوا بالاسترسال وهم آمنون.
فما دام قلبك ينكسر، فأنت بخير. الخطر أن يألف ويطمئنّ.

الحلّ: الليلة… لا غداً

لا تحتاج برنامجاً طويلاً، ولا خطّةً مُحكمة.
تحتاج أن تُكسر الدائرة عند نقطةٍ واحدة فقط. وأصغر نقطةٍ أضمنُ من أكبرها.

الليلة، قبل أن تنام، افعل ثلاثاً:
أوّلاً: أغلق الباب الذي تدخل منه المعصية — أيّاً كان — قبل أن تنام.
ثانياً: ركعتان تقول فيهما لله بصدقٍ ما في قلبك: «إلهي، أخاف منك، وأشعر بالبعد عنك، وأنا مقصّر».
ثالثاً: صفحةٌ واحدةٌ من المصحف. لا أكثر. ولا تفكّر فيما بعدها.
خطوةٌ واحدةٌ صغيرةٌ تكسر بها الدائرة، خيرٌ من مشروعٍ كبيرٍ لا تبدؤه أبداً.

وبابه مفتوح

لعلّ شيطانك يقول لك: «ذنبك أكبر من أن يُغفر».
فاسمع ردّ ربّك عليه:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر: 53).
جميعاً… بلا استثناء.
وهو سبحانه «يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل». رواه مسلم.
يده مبسوطةٌ الآن، وأنت تقرأ.
فقط بقي سؤالٌ واحد:
في أيّ ساعةٍ الليلة ستصلّي الركعتين؟

Footnotes

  1. ابن القيّم، الداء والدواء (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي)، فصل في عقوبات المعاصي — موضع: الوحشة التي يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله.

  2. المصدر نفسه، الفصل نفسه — موضع: أنّ المعصية تحرم العبدَ الطاعة.